محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله : فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ قالا : إذا خاف نشوزها وعظها النشوز ، فإن قبلت وإلا هجر مضجعها . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النشوز قال : تبدأ يا ابن آدم فتعظها ، فإن أبت عليك فاهجرها ، يعني به : فراشها . وقال آخرون : معنى قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النشوز قولوا لهن من القول هجرا في تركهن مضاجعتكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن رجل ، عن أبي صالح عن ابن عباس ، في قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النشوز قال : يهجرها بلسانه ، ويغلظ لها بالقول ، ولا يدع جماعها . وبه قال : أخبرنا الثوري ، عن خصيف ، عن عكرمة ، قال النشوز : إنما الهجران بالمنطق أن يغلظ لها ، وليس بالجماع . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن أبي الضحى ، في قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النشوز قال : يهجر بالقول ، ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد . حدثنا المثنى ، قال : ثنا حبان بن موسى ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد عن رجل ، عن الحسن ، قال : لا يهجرها إلا في المبيت في المضجع ، ليس له أن يهجر في كلام ولا شيء إلا في الفراش النشوز . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثني يعلى ، عن سفيان ، في قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النشوز قال : في مجامعتها ، ولكن يقول لها : تعالى وافعلي كلاما فيه غلظة ، فإذا فعلت ذلك فلا يكلفها أن تحبه ، فإن قلبها ليس في يديها . ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه : أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه ، وذلك رفضه وتركه ، يقال منه : هجر فلان أهله يهجرها هجرا وهجرانا . والآخر : الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ ، يقال منه : هجر فلان في كلامه يهجر هجرا إذا هذى ومدد الكلمة ، وما زالت تلك هجيراه وإهجيراه ، ومنه قول ذي الرمة : رمى فأخطأ والأقدار * غالبة فانصعن والويل هجيراه والحرب والثالث : هجر البعير إذا ربطه صاحبه بالهجار ، وهو حبل يربط في حقويها ورسغها ، ومنه قول امرئ القيس : رأت هلكا بنجاف الغبيط * فكادت تجد لذاك الهجارا فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى فإنما هو الإهجار ، ويقال منه : أهجر فلان في منطقه : إذا قال الهجر وهو الفحش من الكلام ، يهجر إهجارا وهجرا . فإذ كان لا وجه للهجر في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة ، وكانت المرأة المخوف نشوزها إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه ، فغير جائز أن تكون عظته لذلك ، ثم تصير المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك ، ثم يكون الزوج مأمورا بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه . وإذ كان ذلك كذلك بطل قول من قال : معنى قوله : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ واهجروا جماعهن . أو يكون إذ بطل هذا المعنى . فمعنى : وأهجروا كلامهن بسبب هجرهن مضاجعكم ، وذلك أيضا لا وجه له مفهوم لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث . على أن ذلك لو كان حلالا لم يكن لهجرها في الكلام معنى مفهوم ، لأنها إذا كانت عنه منصرفة وعليه ناشزا فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يراها ولا تراه ، فكيف يؤمر الرجل في حال بغض امرأته إياه وانصرافها عنه بترك ما في تركه سرورها من ترك جماعها ومجاذبتها وتكليمها ، وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته إذا دعاها إلى فراشه ، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه ؟ أو يكون إذ فسد هذان الوجهان يكون معناه : واهجروا في قولكم لهم ، بمعنى : رددوا عليهن كلامكم إذا كلمتموهن بالتغليظ لهن ، فإن كان ذلك معناه ، فلا وجه لإعمال الهجر في كناية أسماء